ألقى الخبير الاقتصادي الدكتور احسان بو حليقة رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال محاضرة في

 منتدى الثلاثاء الثقافي مساء الثلاثاء 1 صفر 1438هـ الموافق 1 نوفمبر 2016م تحت عنوان "الأبعاد الاقتصادية لرؤية السعودية 2030 بين التنظير والتنفيذ". وأدار الندوة الأستاذ زكي البحارنة عضو اللجنة المنظمة للمنتدى الذي أكد على أهمية تناول ومناقشة موضوع رؤية 2030 في هذه المرحلة لما يشوبه من تساؤلات وملاحظات عديدة، مشيرا إلى تأثير حزمة القرارات الاقتصادية التي اتخذها مجلس الوزراء في سبتمبر الماضي والتوجه لتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وانعكاس كل ذلك على الوضع الاقتصادي حاليا ومستقبلا.

وعرف مدير الندوة بالمحاضر بأنه عضو في العديد من الهيئات والشركات الاستثمارية والمالية، كما شغل عضوية مجلس الشورى لثلاث دورات متتالية حيث ترأس لجنة الشئون المالية فيه، وكذلك منظمة الخليج للاستشارات الصناعية، وصدر له العديد من الدراسات والأبحاث في مجال الاقتصاد والخصخصة، كما أن محاضراته وندواته تحظى بمتابعة عالية على مستوى المملكة لما يتميز به من وضوح في الرؤية ودقة في المعلومات.

بدأ الدكتور بوحليقة حديثه بالإشارة الى اختلاف وجهات النظر حول الرؤية الوطنية 2030 بين الرفض المطلق والتأييد الكامل وما بينهما على الرغم من أنها حظيت باهتمام محلي وخارجي كبير، لكن ذلك لا يعني القبول الكامل بها. وأكد على أنه من الأشخاص الذين يتبنون وجود الرؤية الوطنية منذ زمن بعيد حيث كتب حولها كثيرا مطالبا بإصلاحات هيكلية في بنية النظام الاقتصادي الوطني وتحويله الى متعدد الموارد والمصادر. وبين أن الرؤية هي نظرة ذهنية للمستقبل تعبر عن تطلعات بعيدة المدى وتختلف عن الاستراتيجية التي تكون لها أهداف واضحة وقابلة للقياس ولفترة زمنية أقصر.

واستعرض المحاضر ضمن حديثه الخطط الخمسية التي أطلقتها الحكومة منذ عام 1970م (46 سنة) وكان ضمن أهدافها تنويع مصادر الدخل ولكنها لم تحقق هذا الهدف بسبب غياب الرؤية والمنظور بعيد المدى، على الرغم من تأكيد العديد من الاقتصاديين السعوديين على حتمية نضوب النفط. كما أشار الدكتور بو حليقة الى تجارب العديد من الدول التي أطلقت رؤى وطنية مستشهدا بالهند وتركيا والصين وماليزيا وسنغافورة حيث وضعت لها تطلعات بعيدة المدى ووفرت مختلف سبل تحقيقها كتوفير الدعم الحكومي المالي لها وجعلها مؤثرة في تغيير الفكر الاقتصادي بشكل عام. وقال أن دول الخليج كلها لديها رؤى وطنية مختلفة تنطلق من بيئتها المحلية.

وحول ضرورة وجود الرؤية، أكد الاقتصادي السعودي بوحليقة على أن الرؤية الاقتصادية ضرورية لأي نمو وتطور اقتصادي دائم.

وأوضح أن من عوامل نجاح الرؤية هو إيجاد توافق وطني عام حولها عبر فهمها واستيعاب تطلعاتها والوعي بها، وأن يتوفر دعم حكومي شامل لتنفيذها والإصرار على المواصلة فيها، وأن تكون هناك آليات واضحة لتنفيذها، ووجود فلسفة اقتصادية واضحة.

ورد على القائلين بأسبقية الإصلاحات السياسية كشرط لنجاح الرؤية بالاستدلال على أن هناك دول عديدة نجحت في تحقيق رؤيتها الاقتصادية دون القيام بإصلاحات سياسية كشرط مسبق منها الصين وسنغافورة اللتان حققتا قفزات كبيرة في النمو الاقتصادي وبشكل متواصل، موضحا أن هناك دولا فشلت في تحقيق رؤاها الوطنية مثل كينيا. وبين أن من أبرز أسباب نجاح هذه الدول هو التغير في نظام الإدارة الاقتصادية ومعرفة إدارة الثروات بطريقة فعالة وجيدة.

وأوضح في محاضرته أن الرؤية الوطنية للمملكة تهدف الى أن يكون ترتيب المملكة ضمن أكبر 15 اقتصاد عالمي، وذلك يتطلب معدل نمو اقتصادي سنوي بواقع 7،1% وهو تحد كبير. وأشار إلى أن الميزانية العمومية التي صدرت في نهاية عام 2015م وضعت برنامجا لإعادة الهيكلة من 14 نقطة من بينها تخفيض الانفاق الحكومي والدعم والمصاريف الجارية واستحداث ضريبة القيمة المضافة. وأكد على أن الرؤية بحاجة الى تمويل مناسب لانجاحها وهذا يتطلب استقرار تمويل الميزانية، موضحا أنه لأول مرة تصدر وثيقة رؤية وطنية بالتزام حكومي شامل على أعلى مستوى حيث أن نجاحها سيقود إلى خلق اقتصاد متنوع وكبير ومتنام.

وطالب في نهاية حديثه إعادة هيكلة منظومة الأمان الاجتماعي بحيث يكون الدعم الحكومي موجها لتستفيد منه الشرائح ذات الحاجة الفعلية من طبقات المجتمع، مشيرا إلى أن السنتين القادمتين ستكونان صعبة على جميع القطاعات.

وأكد على أهمية النظرة الواقعية للأمور والبحث عن الفرص المتاحة التي ستوفرها السوق في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية وخاصة في مجال ريادة الأعمال وبناء المنشآت المتوسطة والصغيرة، داعيا الشباب على بذل الجهد لاستثمار الظروف الحالية بأفضل طريقة.

وطرحت مداخلات عديدة من قبل الحضور، بدأها الأستاذ علي البحراني حول المقارنة مع الأسواق الناشئة التي بدأت من الصفر بينما الوضع الاقتصادي في المملكة في حالة بحبوحة نوعا ما، وتساءل الأستاذ صالح العمير عن فائدة استمرار ربط الريال بالدولار. أما رجل الأعمال نعيم المطوع فبين أن الرؤية تنقصها تحفيز القطاعات المختلفة حيث أن هناك أزمة قائمة في القطاع الخاص بسبب استمرار الإجراءات التي تقيد من حركته. واعترض الأستاذ عبد الباقي البصارة على كلام المحاضر موضحا أن الإصلاح السياسي يعتبر أساسا لنجاح الرؤية في المجال الاقتصادي وأن تجارب الدول الأخرى تؤكد ذلك، موضحا أن طبيعة اقتصاديات دول المنطقة هو ريعي مما يعني أن الدولة تعتبر مسئولة عن رفاه مواطنيها وتوظيفهم.

وأشار الأستاذ كمال المزعل إلى حالة القلق السائدة حول الرؤية بسبب تواصل الفشل في الخطط الخمسية السابقة ووجود سياسات غير واضحة، وهو الأمر الذي أكد عليه الأستاذ نبيه البراهيم من ناحية الوضوح الشامل لأبعاد وأهداف الرؤية كشرط لنجاحها. وتساءلت كل من الأستاذة حكيمة الجنوبي ورائدة السبع عن أسباب زيادة الانفاق الحكومي وسبل تمويل مشاريع الإسكان في المملكة، وطرح المصرفي الأستاذ زكي أبو السعود تساؤلا حول أسباب فشل الرؤى الوطنية في بعض الدول وضرورة وجود الشفافية في الموازنة العامة للدولة.

وطرح رجل الأعمال الأستاذ جواد المطوع تصوره بأن مشروع الرؤية جاء وليدا للظرف الاقتصادي الحالي كردة فعل على انخفاض إيرادات الدولة بسبب هبوط أسعار النفط مما أثر سلبا على جميع القطاعات. وتساءل الأستاذ عبد الله شهاب عما اذا تم مناقشة مشروع الرؤية من قبل جهات مختصة لمراجعتها، وأكد المحامي خليل الذيابي على الحاجة إلى محاربة الفساد والإصلاح من أجل نجاح مشروع الرؤية. وتساءل المحامي جاسم العطية عن التعارض بين زيادة الرسوم والاستثمار في شركات اجنبية أو بيع جزء من شركة أرامكو.

وطرح الأستاذ عمار الأمير تساؤلا حول المصاعب التي يواجهها جيل الشباب وسبل البحث عن فرص ومجالات عمل جديدة في السنوات القادمة، وأشار الأستاذ أحمد الخميس إلى أن سقف التفاؤل مرتفع لدى المواطنين حول الرؤية مؤكدا على ضرورة التحقق من مؤشرات نجاح الرؤية. وتساءل الأستاذ علي الراضي عن إشكالات فرض الضرائب على المواطن كوسيلة لسد العجز المالي، كما طرحت الأستاذ سارة الجشي عن مصاعب العمل في هذه المرحلة بسبب توقف الدعم الحكومي للمشاريع وعدم مقدرة القطاع الخاص على التمويل.

وفي نهاية اللقاء أجاب المحاضر على أسئلة وتساؤلات الحضور بصورة مفصلة، وشكر مدير الندوة المحاضر وجميع الحضور على مشاركاتهم الثرية. ومن الجدير ذكره أن المنتدى كرم خلال الأمسية الكاتب الاقتصادي هادي السيف بمناسبة صدور كتابه "القوائم المالية" كما كرم أيضا الفنانة ليلى الهاشم على مشاركتها في المنتدى بإقامة معرض لأعمالها الفنية.