(بسمه تعالى.. قضاء جميع صلواتي وصيامي.. سماع أشرطتي وحذف ما ينبغي حذفه شرعاً.. إبراء العمّ حفظه الله ما بذمّتي ـ إن كان ـ اتجاهه أو اتجاه الحقوق الشرعية.. المعذرة من جميع من أحاط بي إن كنت قصّرت في شيء من حقوقهم).

هذا ما وُجد في جلباب المؤمن الفقير الى الله دوماً وأبداً بعد وفاته، كلمات قليلة جدا كانت جّل اهتمامه، خطها بيده الرحيمة، بصدق يجعل القارئ يتلمس زهد وبساطة وتواضع السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدس سره)، فلم يوصِ بأملاكٍ وقصورٍ او أي إرث مادي، وهو سليل الأسرة العريقة وابن الطيّب والكرم، لكن ليس الجميع يعرف روعة مضمونها ومدى تأثيرها في النفوس إلا الذين يبصرون ويدركون الحق، ويفرقون بين الغث والسمين .

وأنا اضغط بسن قلمي هذا على الورق، يكون اليوم هو ذكرى استشهاد الفقيه الشيرازي.

فمن أين نبدأ ؟... لنستذكر حياته العطرة

كانت مسيرته مسيرة عطاء ثر، لكنه سريع خاطف، كالوميض برق في السماء، فسطع نوره في العقول وثنايا القلوب، كي ينير أرضاً، مهدها أجداده بتعب السنين والكلام المنير، فوُلد من تلك الشجرة الطيبة المباركة، يوم الأحد 1- 3 - 1959 غصناً نديا نضرا، ليحيطه والده بالرعاية والتربية السليمة ويزوده بزاد التقوى والمعرفة، فشب ذلك الصبي على حسن السلوك وطيب المعاملة وقلباً مولعا بحب آل بيت رسول الله.

فكان ابناً بكراً باراً

لكن سموم البعثيين القابعة بين أفكارهم وأفعالهم كره أحفاد الرسول، تفجرت حمما على ارضٍ رخوة، وقد مزجوها بالتسلط والاستبداد والرعب وسلب الأرواح قبل كلمة الحق والحرية، فراحوا يضايقون أسرة الفقيه المقدس وتحينوا الفرص للقضاء عليها بكل أساليب الغدر والقسوة.

لذلك عزمت هذه الأسرة الكريمة على الرحيل هربا من بطش السلطات القمعية، ليس خوفا بل حفاظا وحرصا على عرضهم من مغول العصر، وقلوبهم تحاصرها وتحرقها مرارة الفراق، فكانوا يعلمون أن العيون سوف لا ترى وجوه الأحبة والجيران والأصدقاء، والرئتان سوف لا تستنشق عبير قبر جدهم الحسين (عليه السلام) والأقدام سوف لا تطأ رمال الغاضرية، ولكن لا مناص من المغادرة إزاء تنمّر السلطة، فحطّـ هذه الأسرة الكريمة رحالها في (الكويت) سنة 1971 .

وهناك شرع الفقيه الشيرازي يوظف شبابه في طلب العلم وأعطى لهذا الهدف جل اهتمامه ووقته، فأكمل دراسته وقرأ الرسائل والمكاسب على يد عمه سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) وألقى محاضراته الدينية في مجتمع الشباب آنذاك، وقد أسعدته هذه المهمة، وكان يرى فيها خدمة للإنسانية والإسلام للمساهمة في صناعة الشباب الواعي المثقف.

وفي سنة 1980 هاجر الفقيه الشيرازي الى إيران، واستقر فيها وكانت المحطة الأخيرة في حياته، ليغترف من منجم العلوم المختلفة على أيدي أساطين الأساتذة في الحوزة العلمية، ومن بينهم والده سماحة الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، وعمه سماحة المرجع الشيرازي، فنال مرتبة الفقاهة والاجتهاد بعمق وتميّز.

ليكون من أفضل الأساتذة والفقهاء، فتتلمذ على يده أفضل الطلبة، ليكونوا اليوم ينبوعا ثريا لعدد من الخطباء والشيوخ والمدرسين في الحوزات العلمية في أرجاء العالم، وقدم الفقه الشيرازي، سلسلة من المحاضرات الدينية العلمية، فضلا عن المحاضرات الاجتماعية التي تناول فيها اغلب مشاكل المجتمع التي مضت وأخرى لا زلنا نعيشها حتى الآن.

وقد تميز الفقيه المقدس السيد محمد رضا الشيرازي بلغة سهلة سليمة واضحة، وأفكار قيمة متجددة، وطريقة عرض حديثة مواكبة لهذا العصر، حتى يفهمه الشباب وجميع شرائح المجتمع ومختلف الفئات العمرية، كي يزج بينهم الأحكام التعبدية والقواعد العلمية، لذلك حرص الفقيه الشيرازي كل الحرص كي يصوغ محاضراته ومضامينها وأفكارها بقالبٍ مفهوم ومبسط للجميع.

كما أن سماحة الفقيه الشيرازي سلط كثيرا من الضوء على أهمية تطوير المرأة المسلمة، كونها تعد الركيزة الأساسية في العائلة والمجتمع، ولها دورها التربوي المتميز في صناعة جيل واع.

وعلاوة على كل هذه الجهود الفقهية الفكرية والخطابية، ترك لنا سماحته العديد من المؤلفات التي شكّلت إرثا فكريا غنيا بالعلوم الفقهية والروحية والفكرية والتعاليم المحمدية.

كيف لا يكون هكذا، وهو الذي يملك صفات المؤمنين الأتقياء ببر والديه واهتمامه بالنصح والإرشاد ودقة مواعيده، وثمة نقطة لم نتطرق لها، ألا وهي حبه الشديد للأطفال الذي كان سماحته يرى فيهم مستقبلا زاهرا للأمة، ومن هذا المنطلق كان يؤكد على الآباء والأمهات بأهمية التربية التي تصنع شخصية متوازنة قوية واثقة متعاونة للطفل، فهؤلاء هم مستقبل الإسلام.

كذلك تميز الفقيه الشيرازي بعلاقاته الاجتماعية الناجحة، وتعامله اللطيف مع جيرانه، فكان نموذجا للتعامل الرائع المتعاون المتسامح مع أهل المنطقة كي يعطي نموذجا لكيفية التعامل المتبادل بين الجيران، ولم ينس الفقيه الشيرازي أن يصل أرحامه وأن يقدم المثال الكبير في هذا المجال حتى تكون صلة الأرحام طبيعة من طبائع المجتمع.

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(سورة القصص). ففي صبيحة يوم الأحد الموافق 1/6/2008 م فقدنا قمرا لم يغبْ عنا يوما.

رحم الله العالم التقي المجاهد الفقيه المقدس السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره الشريف) وأسكنه فسيح جناته مع خير خلق الله محمّد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)