الموقف المعتدل، يمثل النقطة الفاصلة، بين التطرف والاستهتار، فكما ان التطرف يجلب الويلات، ويدخل في الكثير من المشاكل، سواء على الصعيد الفردي، او الاطار الاجتماعي، فان الاستهتار لا يقل فضاعة، فهي يظهر وجها غير مسؤول، تجاه القضايا الشخصية، او المشاكل الاجتماعية، مما يفرض وضع الامور، في النصاب الصحيح، فالمواقف الصائبة، تتطلب رجاحة في العقل، وقدرة على الاختيار الصائب، لاسيما وان التهور يولد تداعيات سلبية في الغالب.

انتهاج الوسطية، امر مطلوب في مختلف القضايا، بيد ان الوقوف في المنتصف، لا يعني انتهاج المواقف السلبية، بقدر ما يمثل نوعا من التوازن، قبل اتخاذ الموقف، بمعنى اخر، فالوسطية ليست مدعاة للتمسك بالمواقف الرمادية، او غير الواضحة، لاسيما وان الاعتدال في التعاطي، مع القضايا تفرضه ايقاعات، الحياة الاجتماعية، فالسلم الاهلي يتطلب انتهاج سياسات جامعة، وموحدة، بخلاف التطرف، والتهور الذي يؤدي، الى لانقسامات كبرى، في المجتمع، خصوصا وان غياب القاسم المشترك، يدفع للتنازع الداخلي، على خلفية تعصب كل طرف لقناعاته الذاتية، مما يفرض التدخل للالتقاء عند نقط واحدة، تقود لتقريب وجهات النظر، واعادة الوئام مجددا.

فهناك ملفات اجتماعية، تتطلب مواقف متوازنة، لايجاد الحلول المناسبة، اذ يمثل الخطأ الصغير، كارثة كبرى، لا تقتصر على الاطار الشخصي، بل تمتد لتحرق الاخضر واليابس، في المجتمع، مما يستدعي خلق الظروف المناسبة، لتبريد بعض المواقف المتصلبة، او المتهورة، ”إنَّ الرفق لم يوضع على شيء إلاّ زانه، ولا نُزع من شيء إلاّ شانه“، ”كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَب، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَب“.

عملية اختيار المواقف المعتدلة، تأتي عبر تراكم التجارب، والقدرة على معرفة ردود الافعال، في البيئة الاجتماعية، فالمرء بما يمتلك من قدرات عقلية، باستطاعته فرز الشرائح الاجتماعية، والتعرف على المنطلقات الفكرية، التي تدفع لاتخاذ مواقف معينة، وبالتالي فان محاولة امتصاص، ردات الفعل امر بالغ الاهمية، لوضع الجميع في السكة السليمة، حيث يمثل الرضوخ للتيار الجارف، خطورة بالغة، خصوصا في ظل اختلال موازين القوى، ”لا تكن لينا فتعصر ولا تكن قاسيا فتكسر“ فالبعض لا يستطيع الرؤية، بما يتجاوز قدميه، مما يدفعه للتعبير عن المواقف المتطرفة، دون النظر للعواقب المترتبة، ”خير الامور اوسطها“.

الاصرار على المواقف الوسطية، يتطلب شجاعة، وقدرة على الصمود، وتجاهل جميع حملات التسقيط، «إنّ الله يحب الرفق ويعين عليه»، فالمواقف المتوازنة، او المتعلقة تواجه في احيان كثيرة، بموجة غضب، وردود افعال اجتماعية صاخبة، الامر الذي ينعكس على صورة دعوات للمقاطعة، وعدم التعاطي مع تلك الدعوات، باعتبارها نوع من الاستسلام، وعدم الاحترام لرأي الشارع، وبالتالي فان القدرة على التحمل، والصبر على ”ظلم ذوي القربي“، يمثل الخيار الافضل، لتجاوز المحنة الانية، خصوصا وان الكثير من المواقف الوسطية، استطاعت تكريس نفسها، في الواقع الاجتماعي، بعد انقشاع الاتربة، التي كانت تحجب الرؤية عنها سابقا، ”إنَّ الله عزَّ وجل رفيق يحب الرفق في الاَمر“.

محمد أحمد التاروتي