ليس هناك مخلوق على هذه الأرض إلا وله وطن، ومن المعروف أنَّ كلَّ إنسان في العالم يملك حيزاً جغرافياً يطمئن فيه، وإذا غاب عنه اشتاق إليه -بغض النظر عن جنسه وعقيدته وطائفته وعشيرته.

ويتميز الوطن من الدولة بأنه أكثر خصوصية منها على اعتبار الارتباط ببقعة جغرافية محدودة، ثم تماهى الوطن بالدولة، وأغلب التيارات الفكرية العربية ترى في تسمية الجغرافية التي تضم الأقطار العربية (الدول) وطناً واحداً، إذ أخذ أصحابها يطلقون عليه اسم (الوطن العربي) على اعتبار أنَّ العرب "كانت واحدة في التربة وفي اللغة والشمائل والهمة وفي الأَنَف والحميَّة، وفي الأخلاق والسجية فسُبكوا سبكاً واحداً وأُفْرغوا إفراغاً واحداً".

ما يعني أنَّ الانتماء إلى العروبة غدا ثقافة أصيلة وإنسانية غير قائمة على العنصرية والعصبية إلى عرق دون عرق، وإلى دولة دون دولة، فهي الجوهر الجامع للانتماءات الوطنية المتعددة.

وبهذا بدأت الحدود الثلاثة للوطن تتضح بقوة:

الأول: أنه السكن الذي فيه الغذاء والوفاء والأهل والولد.

الثاني: أنه مكان الحقوق والواجبات التي هي مدار الحياة السياسية، وهما حسيان ظاهريان.

الثالث: أنه موضع النسبة التي يعلو بها الإنسان ويَعزُّ أو يَسْفُل أو يذل، وهو معنوي محضاً.

فالوطن -وفق هذه الأبعاد الطبيعية والاجتماعية والثقافية- ليس مجرد قطعة أرض معدّة سلفاً، إنه بالفعل وعاء، ومستوعّب لشعب له هوية وفاعلية، وبُعد تاريخي، وإنتاجية مستقبلية، إنّ معنى الوطن كما يرِد عند غسان خالد، صيرورة تحوِّل التنظيمات الجامدة والكائنات المادية إلى حياة دائمة، ولنقل إلى دينامية متحركة وفاعلة. إنه "أرض عاش عليها الآباء والأجداد، لكنه أيضاً محل الولادة والعيش والعمل".. وما الوطنية إلا تكريس لمعاني الوطن مجتمعة.

وقد عبَّر الجاحظ عن ذلك في (رسالة الحنين إلى الأوطان) فقال: "إذا كان الطائر يحن إلى أوكاره، فالإنسان أحق بالحنين إلى أوطانه ...، فطرة الرجل معجونة بحب الوطن".

وأكَّد القرآن الكريم حب الوطن ودياره فقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}، وكان يقال: "لولا حب الناس الأوطان لخسرت البلدان".

ولهذا كله تعلّق الشعراء بأوطانهم -مهما كانت قساوتها، وتغنوا بسحرها الحلال، ووصفوها وصفاً يؤكد حبهم لها، وإذا ارتحلوا عنها حملوا بعض ترابها ليستنشقوه، إذا نزل بهم زكام أو صداع. وإذا طال غياب الإنسان عن وطنه حَنّ إليه حنين الأم الولْهَى بأطفالها، وحنين الإبل إلى أعطانها، ولن يُشْفَى إلا بالعودة إليه.

ومن هنا انبثق من خلال حب الوطن والتعلق به -منذ القديم- ما عرف بأدب الاغتراب والغربة.

وفي ضوء ذلك كله تصبح العلاقة بين الوطن وأبنائه مستندة إلى الحقوق والواجبات وفق علاقة تبادل فطرية تؤكد الانتماء، على اعتبار أنَّ الوطن غدا جزءاً من الإنسان والإنسان جزءاً منه مادة ومعنى، وكل موطن أحب إلى صاحبه من غيره. فالوطن يمثل مفهوم الانتماء إلى الأرض وصيانته وحراسته من كل أذى، فهو الأرض والعرض والشرف والوفاء والإخلاص والصدق والحرِّية والقيم والأصالة، ومنه تتوهج معاني البطولة والتضحية والشهادة.

فهو بهذه المعاني وغيرها لم يعد مجرد حيّز جغرافي ينتسب إليه الإنسان سواء تمثل بالقرية أم المدينة أم المحافظة أم الدولة أم الأمة، إنه الجزء الأهم في كينونة الإنسان وحيويته وتميزه.

والعقل والدين يرفضان تقسيم أبناء الوطن على أساس الفقر والغنى، وإنما يعتمد مبدأ آخر يقوم على الالتزام بمبدأ المواطنة، التي تعني مشاركة جميع أبنائه في بنائه وتقدمه. وهو التزام طوعي للإنسان عمقاً وأفقاً لا يقوم بالإكراه، وإنما يعمر بالمحبة والتعاون ويعبّر عن العلاقة الدافئة بين طاقة الإنسان الخيّرة، وعناصر الأرض الخيّرة.

وقد أشار النبي (ص) في وثيقة المدينة إلى فقرات تدل على أهمية الوطن في وعي كلِّ إنسان.. منها:
1 . قوله (ص): "أنهم أمّة واحدة من دون الناس" يقرّ فيه (ص) مبدأ الوحدة الوطنية بين ساكني الوطن الواحد، فهم رعايا الدولة أو شعب الدولة في ذلك الوقت.


2 . قوله (ص): "وأنّ يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم: مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل بيته" إعلان صريح للوحدة الوطنية بين طوائف المجتمع، قانونها العدل، دون الظلم والاعتداء، وعلى الظالم أن يتحمل عاقبة ظلمه.

3 . قوله (ص): "وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها" يقرر فيه قطع أي تعاون عسكري مع أعداء الوطن ومعاونيه في الظلم.

4. قوله (ص): "وأنّ بينهم النصر على من دهم يثرب، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم" ينص فيه النبي (ص) على مبدأ أصيل من مبادئ المواطنة؛ وهو وجوب الدفاع عن الوطن، كما ينص على أنّ النصر يكون دائماً في حال الحق والعدل، لا في حال الظلم والإثم، فلا يعطي حق المواطنة للمواطن حق البراءة إذا ظلم أو أثم، لأنّ الدين الإسلامي يناصر الحق ويقف بجواره، وينهي عن الباطل ويواجهه.

هذا بعض ما قررته الوثيقة وبنودها من حقوق المواطنة منذ عهد النبي (ص)؛ إذ نصت على أنّ جميع المواطنين (مسلمين وغير مسلمين) يعاملون على أساس واضح من المساواة، فليس هناك مواطنون من الدرجة الأولى، وآخرون من الدرجة الثانية أو الثالثة، فاعتبار العقيدة لا وجود له، والجميع أمام الشريعة وأحكام الحقوق والواجبات سواسية لا فرق بينهم.

ومن ثم كانت هذه الوثيقة مثلاً أعلى للمواطنة أقرت بحقوق المواطنين في الوطن الواحد، وبينت أنه لا فرق بينهم في تحمل المسئوليات، وأنه لا حق لأحد أن يمنح شيئاً من التمييز على حساب الآخر، أو أن يفرق بينه وبين غيره على أساس عقدي أو عنصري؛ فالإسلام يقرر أنّ معيار التمييز والتكريم هو العمل الصالح وخدمة المجتمع والحفاظ على أمنه وسلامته.

إنّ من كمال الالتزام بالمعنى الديني للوطن أن يكون الإنسان مخلصاً ووفياً للأرض التي عاش فيها وللوطن الذي احتضنه؛ لأنّ الأرض عندما تتّسع لتحمل معنى القضية تصبح هي الإنسان، ولذلك وجب (أنسنتها) لكي يتم التعاطي معها كعنوان إنساني لا يحتمل الجدل في مسألة الدفاع عنه وصونه وحمايته أمام كل طامع وكل طاغٍ، لأنّ التراخي في ذلك قد يقود إلى استعباد البلد وأهله لحساب الطامعين