حذّر الباحث والشاعر عدنان العوامي من نتائج كارثية تأتي من ترجمة نصوص الرحلات المكتوبة باللغات الأجنبية،

خاصة إذا اعتمدت الترجمة وكانت مصدرا لأبحاث ودراسات موسعة أخرى.. مؤكدا ضرورة توافر جملة من المواصفات والاشتراطات في عملية ترجمة الرحلات، تجنبا من الوقوع في الأخطاء الجسيمة التي تأتي من ذلك..

قال ذلك خلال أمسية أقامها منتدى حوار الحضارات بمحافظة القطيف مساء أمس الجمعة 18/مارس/2017 بمقر المنتدى بمنزل الإعلامي فؤاد نصر الله تحت عنوان (الرحلات المترجمة بين الأمانة والتحقيق)، إذ أكد العوامي بأن الترجمة ليست سهلة كما تصورها البعض، لذلك وضع لها الجاحظ عدة شروط بقوله وينبغي للترجمان أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية..

ويرى العوامي بأن الترجمة من أكثر الأعمال الأدبية مشقة وعسرا، وإتقانها لا يتيسر إلا لمن أوتي قدرا عاليا من الكفاءة والأهلية، فليس معرفة المترجم للغة الأجنبية وحدها كافيا لتمكينه من الغوص في غمار هذا الخضم المتلاطم من المعارف والعلوم،

بل لا بد له من إحاطة واسعة بأنواع المعارف، بدءا من علوم اللغة العربية انتهاء بالعلوم المعاصرة كالطب والصيدلة والعقائد والأديان، والنحل والمذاهب والفرق، والتاريخ والملاحم، والسير، والانساب، والجغرافيا ... الخ لأنه لابد من تعرض لهذه العلوم أو بعضا منها، خلال النصوص التي سيبتلى بترجمتها.

وفي حال لم تتوافر له الإحاطة بهذه المعارف كلها، أو بعض منها ــ يرى العوامي ــ ضرورة أن يتمتع المترجم بحس واع يقظ وذائقة مرهفة يسندهما قدر عال من الجلد والصبر على البحث والتقصي، والغوص في متون المراجع وارتياد مراكز العلم والثقافة.

وفي هذا المجال حذرّ العوامي من إفراط أي مترجم في الثقة بنفسه والاتكال عليها وحدها فيرى في السؤال غضاضة تصرفه عن السعي لمظان المعرفة مراكز وأفرادا، فربما خطأ بسيط أوقع الأذى به أو بغيره ما لا يمكن تصوره، وأصدق الأمثلة على ذلك ما وقع فيه السيد تشارلز شيفر مترجم رحلة ناصر خسرو (سفر نامة) من اللغة الفارسية إلى اللغة الفرنسية

حينما أجرى تعديلا في صيغة النص الأصلي، فأوقع تغييرا في مسار خسرو فحوّله من الأحساء الى البصرة بدلا من اليمامة إلى البصرة وهنا المعضلة، فخروجه من الأحساء يعني ـ بداهة ـ أنها دخلها وبالتالي يكون مصدقا في كل ما قاله عنها ونسبه إلى اهلها بصفته شاهد عيان نقل ما رأى وشاهد حتى تلك التي يسميهم فيها بالكفر وعدم اداء الصلاة والصيام وأكل لحوم القطط والكلاب وهو ما صدقه كثير ممن كتب عن تلك الحقبة نقلا عن (سفر نامة)، في حين أن الحقيقة بخلاف ذلك تماما، فخسرو لم ير الأحساء ولم تطأ قدمها ترابها بتاتا... وهذه واحدة من دواهي الترجمة

وذكر بأن أخطر ما في الترجمة أنها تضطلع بها أقلام لامعة مشهورة، ثم تعتمدها وتنتهل منها اقلام تماثلها بريقا وشهرة، فتصبح مراجع معتمدة للباحثين والدارسين، وطلاب العلم.. مشيدا ـ في هذا المجال ـ بالشيخ حمد الجاسر (رحمه الله) فهذا الباحث العالم أوقعه مترجمو كتاب دليل الخليج في أخطاء جسيمة، ولولا ما يتسم به الشيخ من الصرامة في تحرّي الصدق والدقة، وقيامه بتصحيح الأخطاء عند إعادة طباعة كتبه لبقي الكتاب مشوها طافحا بالأخطاء، ولكن مثيل الجاسر نادر .

واستعرض العوامي عددا من الكتب التي ترجمت ووقعت في الأخطاء، ففي كتاب (وسط الجزيرة العربية وشرقها) لمؤلفه وليم بلجريف وترجمة صبري محمد حسن الذي نقل نصا مترجما لقصيدة مشهورة يقول مطلعها المترجم (آه يا صبا نجد عندما تهب عليلا من نجد... ) في حين ان المترجم لو اطلع على مصدر من مصادر الأدب لوقع على النص الأصلي العربي وهو (الا يا صبا نجد متى هجت من نجد) للشاعر عبدالله الخثعمي الشهير بابن الدمينة..

وفي كتاب (الخليج وبلدانه وقبائله) لمؤلفه اس.ب . مايلز نجد نصا مترجما يقول بأن من بين الهدايا التي ارسلها أمير عمان إلى الخليفة المقتدر ـ كما يقول السيوطي ـ دمية تتكلم، وكانت تردد كلمات هندية وفارسية أفضل من الببغاء، الا يوحي هذا ـ لو صحت الترجمة ـ ان عمان في ذلك الزمن من ارقى الدول الصناعية؟ ولكن الهدية التي اعيت المترجم فسماها دمية هي طائر المينا المشهور وهو من فصيلة الزرازير القابلة للتعلم كالببغاوات!

وانتقد العوامي بعض المترجمين الذين يضعون رأيهم خلال النص، فالأمانة تقتضي الالتزام بالنص، وإذا كان ثمة اختلاف مع النص الأصلي في وجهة النظر يتم التنويه له في الهامش وليس في الأصل

وعلى هامش الأمسية جرت مداخلات من قبل الحضور وابرزهم عباس الشبركة، هاشم الشخص، خليل الفزيع، اللواء عبدالله البلوشي، وغيرهم