حدث تاريخي فتح بابا من الخير والأمل على العراق، موطن الآلهة والبابلية والسومرية والآشورية، الذي أبت أن تنحني آثاره ومعالمه النفيسة أمام كل أنواع التدمير من حروب النظام السابق، والاجتياح الأمريكي، إلى الإرهاب وعلى رأسه تنظيم "داعش".
شهد العراق لأول مرة في تاريخه، إقبالا سياحيا على أهواره الجنوبية، الجميلة — منبت قرطاسية السومريين — من أقلام القصب الرشيقة، وأوراق البردى التاريخية التي تداعب جذورها صغار الأسماك النادرة بطعمها وكثرتها وأبرزها "الـكطان والبني والزوري والشانك.
الأهوار "وهي مجموعة المسطحات المائية التي تغطي الأراضي المنخفضة الواقعة جنوبي السهل الرسوبي العراقي"، ومنها في محافظة ذي قار التي انطلق منها حرف الكتابة الأول في التاريخ، مع حلول الربيع، استقبلت أكثر من 15 ألف سائح من مختلف محافظات البلاد من الشمال إلى الجنوب — وهو عدد لم يمر عليها من قبل أبدا.
وتحدث الباحث الآثاري من محافظة ذي قار جنوبي العراق، عامر عبد الرزاق، لمراسلة "سبوتنيك"، عن إقبال السائحين على أهوار المحافظة، قائلا:
"لأول مرة في تاريخ الأهوار العراقية، يزورها أكثر من 15 ألف سائح في يوم أعياد النيروز ومن كافة محافظات العراق، حتى اكتظت شوارع و"أهوار الجبايش" بهذا العدد غير المتوقع، وأتمنى الإسراع بتنفيذ وإقامة المشاريع السياحية في تلك المنطقة لاستثمار هذه الأعداد حتى تكون مصدرا اقتصاديا مهما للمحافظة وللبلاد".
قصد السائحون عند وصولهم ذي قار، في أول رحلتهم — قضاء الجبايش، الذي يقع شرقي المحافظة ويطل على الأهوار وهي: هور الحمار الشرقي، والحمار الغربي، والأهوار الوسطى.
وكما ذكر عبد الرزاق، فإن السياح ذهبوا بعد ذلك إلى نصب كبير في الجبايش أيضا، يسمى "نصب الشهيد" وهو يجسد سكان الأهوار — الذين قاوموا ضد النظام السابق الذي كان يترأسه صدام حسين حتى 2003.
والنصب بناء كبير وضخم، ويعتبر محطة استراحة للسائحين بعد سفر، ومنه اتجهوا إلى مراسي الأهوار — فيها المئات من القوارب التي تنقلهم لساعتين بجولة رائعة بين بيوت القصب العائمة فوق المياه والنباتات والحيوانات كالطيور والأسماك، بأنواعها النادرة
وعدّد عبد الرزاق، الكائنات التي أضافت جمالا إضافيا لأهوار ذي قار، ومنها طائر البرهان الذي لا وجود له سوى في الأهوار العراقية، وطائر الفلامنكو النادر، وغيرهما من الطيور المهاجرة من بقاع العالم.
ويطالب عبد الرزاق، من الحكومة العراقية والجهات المعنية، باستثمار أعداد السياح الذين يتوافدون إلى أهوار الجنوب، واصفا أعدادهم بالمذهلة وغير المتوقعة.
وأيضا يطالب عبد الرزاق، ببناء متحف في ذي قار خاص بالتراثيات، وآخر مع قاعة علمية للكائنات المائية في الأهوار، وفتح الاستثمار لبناء مطاعم خاصة بالأسماء لاسيما وأن العراق له شهرة في لطبخ وشوي الأسماك ومنها الأكلة المعروفة شعبيا "بالسمك المسكوف" والتي يلفظها العراقيون "المزكوف".
ودعا عبد الرزاق إلى إنشاء شاليهات خاصة لمبيت السائحين بدلا من رجوعهم إلى محافظاتهم، ومبيتهم في مدينة الناصرية مركز ذي قار.
وكان عبد الرزاق، نشر عبر صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، قبل نحو يومين، عن عيد الربيع، منشورا أطلعت عليه مراسلتنا كتب فيه :
" 23 مارس/آذار هو اليوم الحقيقي لبداية السنة في العراق القديم، ويعتبر أول أيام شهر نيسان (أبريل) في تقويم الأشهر لبلاد وادي الرافدين — في ذلك اليوم تكون ساعات الليل مساوية لساعات النهار وبه تدخل السنة الجديدة للبلاد ومنذ 3000 عام قبل الميلاد، وكان بسبب بداية الانقلاب الربيعي وبداية الزراعة وصب القالب للبناء وبداية الحياة للأشجار واخضرار الأرض — ولهذا كانت تقام له احتفالات كبيرة في بلاد سومر وإقامة طقوس الاحتفالات والذهاب إلى بيت الاكيتو لكل مدينة، وهو بيت كبير خارج المدينة في الأراضي الزراعية يحتفلون لبداية السنة الجديدة ويقومون بذبح الثيران وتوزيع الحلوى وإقامة الصلوات والأدعية لهذا البلد أن تحفظة السماء من كل سوء ومكروه".
ليست ذي قار وحدها، التي تشهد إقبالا على أهوارها، مدينة العمار مركز محافظة ميسان هي الأخرى الواقعة في أقصى الجنوب العراقي، تشهد رحلات سياحية واسعة منذ نهاية فصل الشتاء.
وأخبرنا الشاب حمزة قاسم، وهو ناشط من ميسان، عن رحلته السياحية في أهوار مدينته، يوم أمس 21 مارس/آذار الجاري،
"شهدت ميسان توافد الكثير من المجموعات السياحية التي تنظمها شركات السياحة في بغداد وبأعداد لم تشهدها المحافظة من قبل، حتى أن أغلب فنادق المدينة امتلأت بالكامل".
وينضم أبناء مدينة العمارة التي يحب العراقيون تشبيه أهوارها بمدينة فينيسيا الإيطالية العائمة فوق المياه، سفرات شبه يومية إلى عمق هور أم انعاج وتكون الرحلات في أوجها يومي الجمعة والسبت — العطلة الرسمية في البلاد.
وأضاف قاسم، يعرف أن الأجواء في الأهوار تصبح مناسبة للسياحة ابتداء من منتصف شهر فبراير/شباط وحتى نهاية حزيران/يونيو — حيث يكثر تواجد الطيور المهاجرة في هذه الأوقات وتزداد سعة المساحات الخضراء من القصب والبردي، ونسمات الهواء تكون طيبة ونقية تساعد على الاسترخاء
ويرى قاسم، في ختام حديثه، أن الأهوار تتميز بتنوعها الإحيائي الذي يمثل عامل جذب مهم للسياح الراغبين بمشاهدتها.
الجدير بالذكر، أن لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) صوتت، في 17 تموز/يونيو 2016، على إدراج الأهوار والمناطق الأثرية في العراق على لائحة التراث العالمي.
تصويت اليونسكو جاء بالموافقة على ضم ثلاث مدن قديمة وأربعة من الأهوار العراقية إلى سجل لائحة التراث العالمي، بعدما تقدم العراق بطلب نال دعم دول ــ الكويت ولبنان وإيران وفرنسا وكازاخستان وفنلندا وإندونيسيا والبرتغال وتونس وتنزانيا وفيتنام واليابان والبيرو.


المصدر : سبوتنك