إيجاد مستوى من التوافق بين دائرتي ووشيجتي الدين والوطن وما يستتبعهما من التزامات ومواقف أصبح لدى الكثيرين من الصعوبة بمكان بسبب غلبة العلاقة بين أهل الدين الواحد 

وأسبقيتها لديهم على العلاقة بين أبناء الوطن الواحد. التراث الفقهي والثقافي مليء جدا بالتأكيد على تعزيز الأخوة الدينية -وتحديدا الإسلامية هنا-

بحيث يجعلها من أسمى الواجبات الدينية. ولكن في تبادلية الأولويات تختلط المفاهيم وتكون الأخوة الإسلامية في مرتبة أعلى من الولاء للوطن الذي هو جزء من الدائرة الدينية.

هذا التعارض ينتج عنه في كثير من الأحيان تغييب مفهوم الوطن وعدم العناية بما يتطلبه هذا الانتماء من حضور ذهني وعملي في الفكر والممارسة، فتبقى قضايا الوطن مؤجلة في مقابل استحضار وإبراز قضايا المسلمين - كدوائر أوسع.

ينطبق هذا أيضا على أصحاب المشاريع الايدولوجية الكبرى التي تطرح مفاهيم الأممية في مقابل الوطنية، ويؤدي إلى انحسار أهمية الوطن بصورة واضحة وإلى ضعف التفاعل النظري والعملي مع قضاياه، فيتفاعل أصحاب هذه المبادئ الأممية مع قضايا نظرائهم في مناطق أخرى ويهتمون بها أكثر من اهتمامهم بقضايا وطنهم. 

وينتج عن ذلك أيضا أن الاندفاع في هذا الاتجاه -وخاصة في بعديه السياسي والعملي- يقود إلى الدخول في إشكالات عديدة منها التدخل في شئون مجتمعات أخرى وتبني قضاياهم بصورة مربكة وأحيانا تكون ضارة. بينما لا تكون هناك أي مبادرات تذكر على مستوى الأوطان أو حتى القبول بإبراز قضاياها والحديث عنها والاحتفاء بها.

هذه العلاقة الملتبسة تأتي بشكل طبيعي نتيجة تكريس مفاهيم أممية شاملة ضمن رؤى تدفع الفرد والجماعات للخروج من دوائر انتمائه الطبيعية إلى دوائر أوسع، فتتشكل تصورات بديلة للوطن يتم التعويض عنها بالعلاقة الحارة ضمن دوائر الانتماء الأوسع.

لذا من الضروري دراسة إعادة هيكلة الانتماءات الإيدولوجية والسياسية كي تكون متوافقة مع الأولويات الأساسية بصورة متوازنة وتوافقية، كي لا يطغى اتجاه محدد على بقية الانتماءات الطبيعية بحيث تسير في اتجاهات متصالحة وغير متعارضة مع بعضها. وهنا يأتي دور التربية والتعليم والإعلام في صياغة هذه المنظومة من الانتماءات وفق مرئيات واضحة، تعطي للوطن مكانته وقيمته ولا تنفي الروابط المتداخلة الأخرى.