المَظْلُومِيَّةُ بِالْمَفْهُومِ القُرْآنِيِّ
                         [٤] وَالأَخِيرَةُ 
                             نـــــــــزار حيدر
   ثانِياً؛ إِنَّ كلَّ حياة أَئِمَّة أَهلُ البيتِ (ع) بمثابةِ سيرةٍ عطرةٍ من التَّضحية والإِباء والشُّموخ ورفض الضَّيم والظُّلم والعبوديَّة، ولعلَّ في خروجِ الامام السِّبط الحُسين بن علي (ع) على النِّظام الأَموي الاستبدادي الشُّمولي الارهابي والفاسد دليلٌ واضحٌ جدّاً على ذلك، مازال يعلِّم البشريَّة معنى الانتفاض على الظُّلم للانتصارِ للاستضعافِ والمظلوميَّة!.
   ولقد لخَّص الامام كلَّ ذلك بقولهِ (ع) {أَلا وأَنَّ الدَّعـيَّ بـن الدَّعيِّ قـدْ ركـزَ بــين اثــنَتَــينِ، بـينَ السـِّلَّةِ والذِّلَّةِ، وهـيهات مِـنَّا الذِّلَّــة يـأبـى اللّهُ لنـا ذلك ورســولهُ والمـؤمنون، وحـجـورٌ طـابت وحجورٌ طهُرت وأُنوفٌ حـميَّة ونفوسٌ أَبـيَّة من أَن نُؤثـر طـاعـة اللِّئام على مصـارعِ الكرامِ! أَلا وإِنـِّي زاحـفٌ بــهـذهِ الأُسرة عـلى قـلَّةِ العددِ وخُـذلانِ النَّاصـر}.
   لقد كانَ الامامُ مُستضعَفاً على أَيَّةِ حالٍ! إِلّا أَنَّ الفرق هو أَنَّ الطَّاغوت أَراد أَن يفرض عليهِ إِستضعاف الذُّلِّ أَمّا الامامُ (ع) فأَبى إِلَّا أَن يختارَ إِستضعاف العزِّ، إِستضعاف الاستخلاف!.  
   نَفْسُ السِّيرة والمنهج نقرأَهُ في حياةِ الامام الكاظِم (ع) الذي ضربَ أَروع الدُّروس والأَمثلة في الصَّبر والتحمُّل والتَّضحية من أَجل الحفاظ على المنْهَجِ والذي يتجلَّى في الجِهاد من أَجل إِزاحة كلِّ أَسباب الاستضعاف!.
   إِنَّ الأَخذ بأَسباب الاستخلاف في زمنِ الاستضعافِ هو جوهر سيرة أَهل البيت (ع) ولذلك فأَنا أَجزمُ بأَنَّ كلَّ حركةٍ أَو سكنةٍ تدَّعي الانتماء لِهذهِ المدرسة الانسانيَّة الرِّساليَّة العظيمة لا تأخُذ بأَسباب الاستخلاف في زمنِ الاستضعاف فهو إِنتماءٌ مُخادعٌ وكاذبٌ لا يمتُّ الى المدرسة بأَيَّةِ صلةٍ! فالمدرسةُ والخُضوعُ والاستسلامُ للاستضعافِ أَمران مُتناقِضان لا يجتمعان حتَّى قيام السَّاعة!.
   إِنَّ هذه المسيرات المليونيَّة التي تشهدُها ذِكْرى إِستشهاد الامام الكاظِم عليه السَّلام يجب أَن توطِّئ للاستخلاف في زمن الاستضعاف عمليّاً وليس نظريّاً وبالكلامِ فقط!.
   صحيحٌ أَنَّها مسيراتٌ لزيارةِ مرقد الامام المظلوم، ولكنَّها في الجوهرِ يجب أَن تكونَ مسيرات إِستنكار ورفض للفسادِ والفشل والظُّلم والعُدوان وسحقِ الحقوق الذي يتعرَّض لَهُ المُواطن سواء من قِبل المجتمع أَو من قبل السُّلطة! لا فرق! ولذلك يلزم أَن تكونَ هذه الشَّعائر العظيمة والمهمَّة حافزاً على تحقيق التَّغيير والاصلاح الذَّاتي أَوَّلاً وقبل كلِّ شيءٍ والمجتمعي والسِّياسي والأَخلاقي وعلى كلِّ المستويات، ثانِياً!.
   إِنَّها مكانسَ تكنُس الفاسدينَ والفاشلينَ عن السُّلطة، وتطِّهر الذَّات من الأمراض! وتهيِّئ للاستخلاف! أَو أَنَّها دجلٌ!.   
   إِنَّ أَخشى ما أَخشاهُ هو أَن تتحوَّل هذهِ الشَّعائر الى عادةٍ يعتادونَ عليها والى نُزهةٍ تفقد جوهرَها وبالتَّالي لم تعُد تنفع في شيءٍ إِلَّا الَّلهمَّ أَنَّها نوعٌ من أَنواع إِستعراض العضلات! ولكن ضدَّ مَن؟ لا أَدري! إِذا لم تترك أَيَّ أَثرٍ في حياتِنا اليوميَّة وسلوكيَّاتِنا سواء مع بَعضِنا أَو مع الآخر!.
   حتَّى السياسيِّين و [المعمَّمين] الفاسدينَ والفاشلينَ باتوا يتلفَّعون بهذه الشَّعائر لابعادِ الشُّبهة عن أَنفسهِم أَو لشرعنةِ فسادهِم وانحرافهِم وفشلهِم! لا فرق! فعلى الرَّغمِ من تورُّط أَحدهُم بظلمِ الرَّعيَّة والولوغ بدماءِ الشَّعب والتَّجاوز على حقوقِ النَّاسِ وسِرْقة المال العام وتبوُّءهُ لموقعٍ المسؤوليَّة بِلا إِستحقاقٍ ومن أَيِّ نوعٍ كان إِلَّا اللهمَّ إِستحقاق المُحاصصة! ومع ذلك يتظاهر بالمشي مع المسيراتِ المليونيَّة ولا ينسى وهو في طريقهِ أَن [يخوطَ] بقِدرِ القيمَةِ أَو يقدِّم أَقداح الشَّاي للمارَّةِ! وكلُّ ذلك ثمنُ اللُّصوصيَّة والفساد والفشل! وكأَنَّهُ يُحلِّلها بعدَّة خطواتٍ سَيْراً على الأَقدام لمرقدِ الأِمام!.
   إِنَّ الامام الذي ضحَّى بنزاهةٍ من أَجل المظلوم لا يقبل منكَ، أَنتَ أَيُّها السِّياسي الفاسد وأَنت أَيُّها المُعمَّم الدَّجَّال! هذه الخَطوات! حتَّى إِذا مشيتَ العمرَ كلُّهُ! فـ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} وقولهُ تعالى {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} فبدلاً من أَن تمشي للإِمام أُمكث في بيتِك وقرِّر كيفَ تعيدُ ما سرقتهُ من مالِ الدَّولة الى الخزينةِ! وبدلاً من أَن تخوطَ في قِدر القيمةِ قرِّر أَن تتوقَّف عن الفساد وأَن تُنجز ما ينفعُ النَّاسِ فتحوِّل الفَشَلَ الى نجاحٍ!.
   إِنَّ هذه الاستعراضات البهلوانيَّة لا تخدع الله تعالى، فلا هو ولا الإِمام ولا حتَّى المُواطن بحاجةٍ إِليها! إِنَّما يريدُك المواطن أَن تحقِّق أَهدافهُ وتُنجز ما يخدمهُ ويخدم أَبناءهُ!.
   يُريدُك أَن تلتزم بواجباتِكَ الدُّستوريَّة ولا تحنث بقَسمِكَ وتخلُف وعدكَ وعهدكَ!.  
   الى متى تظلُّون تضحكونَ على ذقونِكم؟! متى تستحُون على أَنفسِكم؟! هل نسيتم بهلوانيَّات الطَّاغية الذَّليل صدَّام حسين بهذا الصَّدد؟! هل نسيتم حملتهُ الإيمانيَّة؟! وهوَ الذي قتلَ المؤمنين من الفُقهاء والعُلماء والمراجع والنِّساء والرِّجال؟! فهل خدعَ النَّاسَ بها؟! أَبداً! وكذلك أَنتم! لن تخدعوا أَحداً باستعراضاتِكم المفضوحة! ودجلِكم المكشوف! فاقلعوا عنها! ولا توظِّفوا الشَّعائر الدِّينيَّة في حملاتِكُم الانتخابيَّة أَيُّها الدجَّالون المُخادعون!.
   ٢٤ نيسان ٢٠١٧