في درسه الخارج في الفقه, في مسجد الإمام زين العابدين صلوات الله عليه, بمدينة قم المقدّسة, صباح اليوم الأربعاء الرابع عشر من شهر ذي الحجّة الحرام 1438 للهجرة (6/9/2017م), وألقى كلمة قيّمة مهمة, إليكم أهمّ ما جاء فيها:

في خطبته الشريفة في غدير خم، وبحضور مائة وعشرين ألفاً من المسلمين، أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد الإمام أمير المؤمنين على بن أبي طالب صلوات الله عليه ورفعها، ودعا، بقوله صلى الله عليه وآله:

«اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله».

وبيّن سماحته: لقد تعرّض النبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله من بداية إعلان رسالته الشريفة للأذى الكثير، حيث ذكر التاريخ أنه في بعض المواقف وبسبب الأذى، سال الدم من رسول الله صلى الله عليه وآله، من رأسه إلى قدميه الشريفتين. وكان صلى الله عليه وآله وبسبب جفاء وأذى الكفّار يلجأ إلى الجبال، وكان المعين له في هذه الظروف الصعبة هو الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه والسيد خديجة الكبرى سلام الله عليها. ومع ذلك، لم أجد في التاريخ أنه صلى الله عليه وآله قد دعا على الكفّار، بل كان صلى الله عليه وآله يدعو لهم بالهداية. ولكن في غدير خم دعا صلى الله عليه وآله على أعداء الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهم ولعنهم.

وأوضح سماحته، بقوله: إنّ النصر والخذلان الواردين في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله، يجريان في جميع الأدوار التاريخية، ويصدقان على كل زمان ولكل مكان. فالغدير ليست قضية أو واقعة فقط، بل هو ثقافة إنسانية كاملة في الأبعاد كافّة. ويمكن معرفة عظمة الغدير من قول وسيرة وتقرير الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. فقد بيّن وأعلن الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، ثقافة الغدير الفريدة، خلال سنين حكومته صلوات الله عليه.

وشدّد سماحته في قوله، مخاطباً الشباب: أيها الشباب الأعزّة! عليكم بالتاريخ، وانظروا في تاريخ حكومة بني أمية وحكومة بني العباس، لتعرفوا كم من الناس ماتوا من الجوع في ظل هاتين الحكومتين؟! فممن مات من الجوع هو الصحابي أباذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه. بينما لم يمت حتى شخص واحد من الجوع في حكومة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ولم يكن حتى سجين سياسي واحد أو قتيل سياسي واحد في حكومته صلوات الله عليه. ولم يُعثر على شخص عاش بلا بيت ملك له، في زمن حكومة الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

فالإمام علي صلوات الله عليه كان يعتبر الحكومة إدارة وليست ملكاً.

وبيّن سماحته، أيضاً: كان الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يتجنّب الحروب وإراقة الدماء. ففي حرب صفين أرسل الإمام صلوات الله عليه، إلى معاوية بعض رسله ليقنعوه بعدم الحرب، فرفض معاوية وبدأ الحرب. ولكن بمجرد أن توقّف جيش معاوية عن الحرب، ترك الإمام صلوات الله عليه الحرب معهم. وفي واقعة أخرى، بعث الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ثلاثة أشخاص إلى العدو لينصحهم وليقنعهم بترك الحرب، ولكن الأعداء قتلوا رسل الإمام الثلاثة فاستشهدوا. فهل تجدون مثل هذا التصرّف في التاريخ؟ وهذا لا يوجد إلاّ في ثقافة الغدير.

وأشار سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، إلى نماذج ممن سار على نهج الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه من بعده، فقال: 

كما يمكن أن نجد ثقافة الغدير في سيرة وحياة مراجع التقليد الأعلام الشيعة الذين ساروا على نهج الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. ومن هؤلاء الأكابر، الميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين المجيدة التي دحرت الاستعمار البريطاني في العراق. فالاستعمار البريطاني كان قد هجم على العراق واحتلّه، وأوقع القتل والتعذيب والنفي وغيرها من الجرائم بحق الشعب العراقي. وللتصدّي لعدوان المحتلّ الأجنبي أصدر المرحوم الشيخ محمد تقي الشيرازي قدّس سرّه الشريف فتوى، أكد فيها أنه لا يحقّ لأيّ أحد أن يتصرّف أو يتعامل بالسوء مع الأسرى الإنجليز أو يعرّضهم للجوع أو للأذى. وهذه هي ثقافة الغدير

وأوضح سماحته، أيضاً: مسؤوليتان تقع على عاتقنا تجاه الغدير:

الأولى: تبليغ الغدير وإيصاله للعالمين، كما أكّد على هذا الأمر المهم مولانا النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله في خطبته الشريفة في غدير خم بقوله (فليبلّغ). فمن كانت له الإمكانية والقدرة على التبليغ اليوم ويقصّر أو يتهاون تجاه ثقافة الغدير وفي إيصالها للعالمين، سيكون مشمولاً للخذلان الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وآله.

الثانية: أدعو كافة حكومات الدنيا إلى مراجعة ثقافة الغدير، وأن يجعلوا هذه الثقافة الفريدة الراقية نصب أعينهم وأعمالهم. فثقافة الغدير لم تصل للعالم كلّه، وسببه هو التقصير في هذا المجال أو العمل القليل.

وختم سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، كلمته القيّمة، مؤكّداً:

إنّ إحياء ثقافة الغدير ونشرها، مسؤولية تقع على عاتق ثلاث فئات، أكثر من غيرهم، وهم:

الأولى: علماء الدين.

الثانية: الشباب.

الثالثة: أصحاب الثروة والقدرة. فعليهم أن لا يقصّروا في هذا المجال،حتى لا يشملهم دعاء مولانا نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، أي الخذلان.