⬛ ماهو الثمن الحقيقي 
لتضحية الإمام موسى الكاظم (ع)⬛ ماهو الثمن الحقيقي 
لتضحية الإمام موسى الكاظم (ع) ؟
في يوم الخامس والعشرين من شهر رجب من كل سنة تحيي ملايين الشيعة في أنحاء العالم ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) ، فتزحف مئات الألوف على جسره الخالد الذي يحاكي المسير عليه تجديد ظلامته الفجيعة.
فتقيم الملايين المآتم والمواكب لفجيعته ، ويبكون لاستشهاده ، لأنه الإمام المظلوم المسجون الذي لاقى أنواعاً من الظلم والاضطهاد والاستخفاف من ساجنيه وقاتليه . 
ولا مبالغة أن عُدت ظلامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) في المرتبة الثانية من ظلامات أئمة أهل البيت (ع) من حيث المأساة والفجيعة لما لقيه من أنواع الظلم والتنكيل في حياته وبعد استشهاده .  
لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه في مثل هذه المناسبة الأليمة : لماذا تحمل الإمام موسى الكاظم (ع) كل ذلك الظلم والجور الذي لحق به من سياسة بني العباس ، بحيث ضحى بعمره بين إقامة جبرية ، وزنازين السجون وظُلم المطامير ، وتقييد بالسلاسل والحديد ، وقتل بالسم ، واستخفاف بجنازة ، هل كل ذلك من أجل البكاء واللطم والنوح عليه فقط ؟!!.  والجواب : كلا وألف كلا.
إن تضحية موسى بن جعفر الكاظم (ع) تضحية عظيمة لا يصنعها إلا الصفوة من البشر لأنها تضحية تختزل في جوهرها غايات سامية ورؤى مستقبلية قد يغفل عنها الكثيرون .
إنها تضحية خالدة تأمل من خلالها أن يصنع من شيعته ومحبيه عبر كل الأزمنة علماء لا جهلاء ، ونشطاء لا متقاعسين ، ومالكين لقلوب سليمة لا عليلة ، وعاملين بضمائر حية لا ميتة ، كما صنع من مستهتر عاصي كبِشر البغدادي ملاكاً خاشعاً  وعالماً زاهداً.  
إنها جوهر المعرفة الإلهية وثقافة التغيير الحقيقية التي يُراد أن تسود على هذه المعمورة اختصرها في صبره وسجدته الطويلة ، وهي المعرفة والثقافة التي أراد غرسها في نفوس شيعته ومحبيه  ليفروا إلى خالقهم ، ويتسلحوا بالعلم النافع ، ويثبتوا على العقيدة الحقة ، ويوالوا أولياء الله ، ويعادوا أعدائه ، ويهذبوا أخلاقهم ، ويرتقوا بذواتهم.
 وهي تلك الإرادة الصادقة التي بدلت كيان فتاة منحرفة أُدخلت عليه في السجن لتخرج من عنده بكيان العابدة القانتة !!.
إن الثمن الحقيقي لتضحية الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) الكبرى ليس محصوراً في مآتم تقام على ظلامته ، ومواكب تخرج يوم مصيبته ، ودموع تسكب على مصيبته ، وصرخات تتردد على فجيعته ؛ بل في إرادة متجددة يعاهد بها كل شيعة آل محمد إمامهم موسى بن جعفر (ع) من أجل تغيير واقعهم  إلى الأفضل ، ويرتفعوا إلى الأحسن ، ويصلوا إلى الأكمل ، ويدركوا أن الله خلقهم ليحيوا وليس ليعيشوا ، حينها يمكن أن تصنع تلك الإرادة بشراً مغيرين لأنفسهم ، ومؤثرين في غيرهم ، وناهضين بمجتمعاتهم ، ومحبين لغيرهم ، ومحسنين لكل مسيء لهم .  
وهذا لا يتم إلا باتخاذ الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) قدوة لهم في حياتهم وأخلاقهم وتعاملاتهم ، لأنه الإمام الذي جسد بإيمانه وصبره صوراً كمالية في نشر العلم ، والثبات على العقيدة ، والذود عن القيم ، وتثبيت مكارم الأخلاق ، فكان مصداقاً جلياً لقول الله تعالى  : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. 
فإذا استثمر الشيعة كل إمكانياتهم وقدراتهم من أجل الوفاء بعهودهم مع إمامهم موسى بن جعفر الكاظم (ع) حينها سيكونون قادرين على تغيير واقعهم المتردي ، وينهضوا بمجتمعاتهم ، ويخلقوا ملايين من أمثال بشر الحافي والفتاة العابدة. 
يومئذ سيكون إمامهم موسى بن جعفر الكاظم (ع) مفتخراً ومسروراً بشيعته ، لأنهم أصبحوا زيناً له ، لا شيناً عليه ، ويعلم أن تضحيته الكبرى التي ضحاها من أجلهم لم تذهب سدى . 
_______________________