دَردَشاتٌ دِيمُقراطِيَّةٌ!
                                  [٨]
                      نــــــــــزار حيدر
   حملَ الخطابُ المرجِعي الأَخير رُؤيَتَين؛ آنيَّة واستراتيجيَّة.
   أَمّا الآنيَّة فالتي تتعلَّق بالانتخابات النيابيَّة القادِمة التي لم يبق على إِجرائِها سوى أَقلَّ من أسبوعٍ واحدٍ [الأَحَّد ١٢ مايس (أَيَّار)].
   فلقد حدَّد الخطابُ الآليَّات الصَّالحة لإِرشاد النَّاخب ومساعدتهِ على تحسينِ خياراتهِ الإِنتخابيَّةِ عِبر صُندوق الإِقتراع من خلالِ تبيين طُرُق التَّمييز بين الصَّالِح والطَّالح وبين الصَّادق والكذَّاب والمُخادع وبين النَّزيه والفاسد وبين النَّاجح والفاشِل!.
   ولعلَّ مِن أَبرز وأَهمِّ هذه الآليَّات هو البحث في الماضي المِهَني للمُرشَّح وعدم الاكتفاء بالإصْغاءِ إِلى خِطاباتهِ المعسُولة ووعُودهِ الجميلة التي تطرب لها الآذان، فقد تتحدَّث المُومس عن الشَّرف والمُستبدِّ الديكتاتور عن الديمقراطيَّة والظَّالِم والقاتِل والذبَّاح عن حقوقِ الإِنسان والفاسِد عن النَّزاهة والفاشِل عن النَّجاحات لخداع الناخبين وتضليلهِم!.
   كما أَنَّ معاييرَ مثل الوطنيَّة وعدم الإِرتباط بالأَجنبي والإِختيار على أَساس الوطنيَّة وليس على أَساس العشيرةِ والمذهبِ والقوميَّة وغير ذلك من المعايير التي كانت السَّبب المُباشر للتَّدهور الحاصِل في البلد، آليَّات مُهمَّة ومِحوريَّة تُساهم في تحسينِ الإِختيار!.
   ومن هذه الآليَّات التَّحذيرُ من الإِتِّجار بالمقدَّسات مثل عناوين المرجعيَّة والحشد الشَّعبي ودِماء الشُّهداء الأَبرار وتضحياتِ المُضحِّين وغيرها، فمثلِ هَذِهِ التِّجارة الرَّخيصة دليلٌ على إِفلاس المُرشَّح!.  
   أَمّا الرُّؤية الاستراتيجيَّة فقد حدَّدت المباني الأَساسيَّة والأَعمدة الصُّلبة للنِّظام السِّياسي الذي نريدهُ لقطعِ الطَّريق عن أَيَّة مُحاولة ومِن قِبَل أَيٍّ كان للعَودةِ إِلى عهودِ الإِستبداد والديكتاتوريَّة والإِستفراد بالسَّلطة التي كانت آليّاتها السَّرِقات المُسلَّحة [الانقلابات العسكريَّة] والحرُوب العبثيَّة والمقابِر الجماعيَّة والأَنفال وحلبجة وعمليَّات تنظيف السُّجون والإِعتقال والمُلاحقة والإِذابةِ بأَحواض التِّيزاب واغتصابِ الحرائرِ ومحارَبةِ الشَّعائرِ الحسينيَّة والحَوزات العلميَّة وقتل العُلماءِ والفُقهاءِ والمراجعِ العِظام ونظامِ الحزبِ الحاكِم والزَّعيم التَّاريخي والقائدِ الضَّرورةِ ورفض التعدديَّة السياسيَّة والحزبيَّة وعدم الإِعتراف بالتنوُّع الدِّيني والإِثني والمذهبي كطبيعةٍ تاريخيَّةٍ مُتجذِّرةٍ في المجتمع العراقي وغيرها!.
   وإِنَّ من أَبرزِ وأَهمِّ الأَعمدةِ التي يُشادُ عليها هذا النِّظام السِّياسي هو التعدديَّة السياسيَّة والتَّداول السِّلمي للسُّلطة وأَداتهُما قانونَ إِنتخاباتٍ عادلٍ لا يتلاعب ويعبث أَو يتجاوز على أَصواتِ النَّاخبين!.
   إِنَّ هذه الرُّؤية الاستراتيجيَّة في الخطابِ أَرادت القول بأَنَّ العمليَّة الانتخابيَّة هي الحدِّ الفاصل بين الإِستبداد والديكتاتوريَّة من جهةٍ والديمقراطيَّة من جهةٍ ثانيةٍ، وبين نظام الحزبِ الواحد والتعدديَّة، وما دُونَ ذلك قضايا تأتي بالدَّرجةِ الثَّانية، ما يعني أَن الخِطاب دعانا للتَّفكير بالأَصل والجَوهر والعمل عَلَيْهِ والصَّبر على إِنجازهِ ليكونَ في مُتناوَل اليَد لأَنَّ البديل هو عودة عقارب الزَّمن إِلى الوراءِ.
   إِنَّهُ خطاب التَّحذير من التَّفريط بالمُنجز التَّاريخي مهما كانت التحدِّيات!. 
   وإذا كانت الرُّؤية الآنيَّة يمكنُ تحقيقها خلالَ أُسبُوعٍ واحدٍ من الآن فانَّ الرُّؤية الاستراتيجيَّة لا يمكنُ تحقيقها بيومٍ أَو يومَين أَبداً لأَنَّها بحاجةٍ إِلى تغييرٍ في العقليَّة على المدى البعيدِ!.
   *يتبع...
   ٦ مايس [أَيار] ٢٠١٨